غزة / معتز شاهين:
بينما تتواصل الجهود الأميركية لدفع مسار التفاوض بشأن غزة، تبدو الحسابات الانتخابية حاضرة بقوة في مواقف رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، وفق تقديرات محللين سياسيين يرون أن مستقبل الائتلاف الحاكم والاعتبارات المرتبطة بالانتخابات الإسرائيلية والأميركية أصبحت عوامل مؤثرة في طريقة إدارة الحرب والمفاوضات على حد سواء.
ويؤكد المحللون أن الانتخابات الإسرائيلية تحكم قرارات نتنياهو، معتبرين أن رفض إنهاء الحرب والمضي في تنفيذ خارطة الطريق يأتيان في إطار تفاهمات أميركية-إسرائيلية غير معلنة، تهدف إلى تجميد الوضع القائم حتى انتهاء الاستحقاقات الانتخابية.
ويشير هؤلاء، في أحاديث منفصلة مع صحيفة «الاستقلال»، أمس الأربعاء، إلى أن نتنياهو يتعامل مع ملف المفاوضات من منظور بقائه السياسي، وأن تكثيف الاغتيالات يخدم مساعيه إلى الحفاظ على دعم اليمين المتطرف وتعزيز صورته باعتباره قائدًا أمنيًا لا يقدم تنازلات في غزة.
وتأتي هذه التقديرات في وقت انتهت فيه محادثات المبعوث الأميركي جاريد كوشنر مع نتنياهو، في 17 أغسطس/آب، من دون تحقيق اختراق حاسم بشأن الخطة الأميركية الخاصة بغزة، رغم لقاءات شملت أيضًا قيادة حركة حماس في القاهرة. وبحسب «رويترز»، لا يزال الخلاف الأساسي يتمحور حول ترتيب تنفيذ الخطة؛ إذ تتمسك «إسرائيل» بنزع سلاح حماس قبل الانسحاب، في حين تربط الحركة نزع سلاحها بانسحاب إسرائيلي ووقف الهجمات.
وتُجرى الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026، في أول استحقاق انتخابي منذ الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسط تركيز نتنياهو في خطابه الانتخابي على قضايا الأمن والحرب، وفق تقارير تناولت المشهد الانتخابي الإسرائيلي.
واستهداف طائرات الاحتلال أمس الأربعاء، مقر شرطة البلديات في شارع عمر المختار بمدينة غزة، ما أدى إلى استشهاد تسعة مواطنين وإصابة 15 آخرين، غالبيتهم من عناصر الشرطة، بعد أقل من 24 ساعة على غارة إسرائيلية استهدفت منطقة ميناء الصيادين غرب المدينة، أدى الى استشهاد 7 مواطنين واصابة 15 اخرين .
الانتخابات أولاً
وأكد أستاذ الاتصال السياسي بجامعة 6 أكتوبر، الدكتور حسام فاروق، أن الاستحقاق الانتخابي المقبل للكنيست الإسرائيلي يمثل المحرك الأساسي لقرارات ومناورات رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، موضحًا أن الرفض الإسرائيلي لإنهاء الحرب والمضي في تنفيذ خارطة الطريق المعلنة يأتيان، وفق تقديره، في إطار تفاهمات غير معلنة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بهدف تجميد الوضع القائم إلى حين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية والأميركية.
وأشار فاروق، في حديثه مع «الاستقلال»، إلى أن نتنياهو يتعامل مع ملف المفاوضات من منظور بقائه السياسي، في ظل الضغط المباشر من ائتلاف اليمين المتطرف الحاكم، الذي يرفض المفاوضات وحل الدولتين بشكل كامل.
وبيّن أن نتنياهو، حتى في حال فوز حزب «الليكود»، لن يتمكن من تشكيل الحكومة والوصول إلى عتبة 61 مقعدًا في الكنيست من دون دعم شركائه في معسكر اليمين المتطرف، وهو ما يجعله غير مستعد لتقديم تنازلات سياسية أو الدخول في مفاوضات حقيقية قبل الانتخابات، خشية انهيار ائتلافه الحاكم.
وأضاف فاروق أن الاحتلال فوجئ بإبداء الفصائل مرونة وموافقتها على خارطة الطريق المؤلفة من 15 بندًا، الأمر الذي دفع نتنياهو إلى إعلان رفضه لها تدريجيًا، لعدم قدرته على تسويق أي اتفاق أمام ناخبيه في معسكر اليمين.
ولفت إلى أن إدارة ترامب لم تُبدِ غضبًا واضحًا إزاء الرفض الإسرائيلي للاتفاق الذي وُصف بـ»الصفقة التاريخية»، بل صدرت عنها تصريحات تربط الرفض بالسياق الانتخابي الإسرائيلي، معتبرًا أن ذلك يشير إلى وجود توافق ضمني على تأجيل أي استحقاق سياسي.
وفي الوقت ذاته، يسعى الاحتلال، وفق تحليله، إلى إبقاء التصعيد عند مستويات محددة، بما يخدم الدعاية الانتخابية ويمنع حدوث تدهور قد يحرج نتنياهو أمام الشارع الإسرائيلي أو يظهره بمظهر من قدّم تنازلات.
وحذر فاروق من أن الهدف الحقيقي لهذه المناورات الانتخابية والتفاهمات غير المعلنة يتمثل في الالتفاف على الترتيبات المعلنة وإعادة الأوضاع إلى «المربع صفر»، عبر استمرار محاولات تهجير الفلسطينيين وتقويض مقومات الدولة الفلسطينية، المتمثلة في الشعب والإقليم والحكومة، وفقًا لما ينص عليه القانون الدولي. وشدد الخبير السياسي، على أن كسر هذا الانسداد السياسي يتطلب تحركًا حازمًا من الوسطاء والدول الضامنة، لكشف ما وصفه بالمخطط الخفي، ووضع واشنطن أمام مسؤولياتها السياسية والقانونية، إلى جانب ممارسة ضغط فعلي على نتنياهو لإجباره على الالتزام بالمسار المعلن بدلًا من إخضاعه لحساباته الانتخابية.
حسابات مقيّدة
الكاتبة والمحللة السياسية د. رهام عودة، بدورها ترى، أن لقاء المبعوث الأميركي جاريد كوشنر مع رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو لم يفضِ إلى ضغط أميركي حقيقي على حكومة الاحتلال، معتبرة أن الحسابات الانتخابية الإسرائيلية والأميركية تفرض نفسها بقوة على طريقة إدارة ملف غزة، في وقت تواصل فيه إسرائيل الضربات والاغتيالات رغم المسار التفاوضي الذي تقوده واشنطن.
وقالت عودة، في حديثها مع «الاستقلال»، إن كوشنر لا يمتلك هامشًا سياسيًا كافيًا للضغط على نتنياهو، في ظل حساسية الملف داخل الولايات المتحدة، والخشية من أن يُتهم أي مسؤول أميركي بالانحياز إلى موقف حركة حماس أو بالتأثير في الانتخابات الإسرائيلية لمصلحة خصوم نتنياهو.
وأوضحت أن المفارقة الأساسية تكمن في استمرار «إسرائيل» في العمل العسكري بالتزامن مع المسار التفاوضي، معتبرة أن ذلك لا يعكس بالضرورة محاولة لتحسين شروط التفاوض، وإنما قد يكون جزءًا من استراتيجية أوسع لإفشال المسار التفاوضي ومنع الانتقال إلى مرحلة تتطلب انسحابًا إسرائيليًا من القطاع.
وبحسب عودة، فإن تكثيف الاغتيالات بعد لقاء كوشنر ونتنياهو يحمل دلالة سياسية واضحة، إذ ترى أن نتنياهو يسعى من خلال العمليات العسكرية إلى توجيه رسالة إلى الجمهور الإسرائيلي مفادها أنه لم يخضع للضغوط الأميركية، وأن القرار العسكري والسياسي الإسرائيلي لا يزال مستقلًا.
وتربط عودة ذلك مباشرة بالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، معتبرة أن نتنياهو بحاجة إلى الحفاظ على قاعدته اليمينية وعدم الظهور أمامها باعتباره رئيس حكومة قدّم تنازلات في غزة. وتضيف أن سياسة الاغتيالات تخدم أيضًا مساعيه إلى الحفاظ على دعم اليمين المتطرف، إلى جانب توجيه رسالة إلى حماس بأن إسرائيل لا تريد لها دورًا سياسيًا أو حكوميًا أو أمنيًا مستقبليًا في غزة، حتى في حال تقديم الحركة تنازلات بشأن سلاحها.
وتقول عودة إن» إسرائيل» لا تسعى في هذه المرحلة إلى حرب شاملة قد تنسف المسار السياسي، لكنها لا تريد إنهاء أدواتها العسكرية؛ ولذلك فإن إبقاء التصعيد ضمن مستوى محسوب يسمح لها بتحقيق هدفين: فرض وقائع ميدانية، والحفاظ على الخطاب الأمني.
وترى أن واشنطن تمتلك أدوات كافية للضغط، لكنها لا تتوقع استخدامها بصورة حاسمة خلال فترة الانتخابات، خصوصًا أن إدارة ترامب تتحرك داخل بيئة سياسية أميركية شديدة الحساسية تجاه إسرائيل. وفي ظل استمرار الخلافات بشأن ترتيب تنفيذ الخطة، يبقى المسار التفاوضي محكومًا بحسابات سياسية وأمنية وانتخابية متشابكة.


التعليقات : 0